فصل: باب في ذكر سعة رحمة الله تعالى:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر منهاج القاصدين (نسخة منقحة)



.فصل في حقيقة الموت:

والذي تدل عليه الآيات والأخبار أن حقيقة الموت، هو مفارقة الروح للجسد، وأن الروح تكون بعد ذلك باقية، إما معذبة أو منعمة، فإن الروح قد تتألم بنفسها بأنواع الحزن والغم، وتتنعم بأنواع الفرح والسرور من غير تعلق لها بالأعضاء فكل ما هو وصف للروح بنفسها، يبقى معها بعد مفارقة الجسد، وكل ما هو لها بواسطة الأعضاء يتعطل بموت الجسد إلى أن تعاد الروح إلى الجسد. ولا يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر، ولا يبعد أن تؤخر إلى يوم البعث، والله سبحانه أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده.
فمعنى الموت انقطاع تصرف الروح عن البدن، وخروج البدن عن أن يكون آلة لها، وسلب الإنسان عن أمواله وأهله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم. فإن كان له بالدنيا شيء يفرح به، ويستريح إليه، عظمت حسرته عليه بعد الموت، وإن كان لا يفرح إلا بذكر الله تعالى والأنس به، عظم نعيمه وتمت سعادته إذا خلى بينه وبين محبوبه، وقطعت عنه العوائق والشواغل، لأن جميع شواغل الدنيا شاغلة عن ذكر الله تعالى.
وينكشف للميت بالموت ما لم يكن مكشوفاً في حال الحياة، كما ينكشف للمتيقظ ما لم يكن مكشوفاً له عند النوم، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. وأول ما ينكشف له ما يضره وما ينفعه من حسناته وسيئاته، وقد كان ذاك مسطوراً في كتاب مطوي في سر قلبه، وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا، فلما انقطعت انكشفت له جميع أعماله، فلا ينظر إلى سيئة إلا ويتحسر عليها تحسراً يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة، وكل ذلك ينكشف له عند الموت، وهذه آلام تهجم على العاصي قبل الدفن، نسأل الله العافية.
ومما يدل على أن الروح لا تنعدم بالموت، قول تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عن ربهم يرزقون} [آل عمران: 169]. قال مسروق: سألنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، وذكر تمام الحديث. وجاء في قوله تعالى: {النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46]. أخبر أنهم يعذبون بعد الموت.
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة».
وقد تقدم أن الإنسان إذا انكشفت له سيئاته تحسر لها وتألم تألماً عظيماً، فأما المؤمن، فقال عبد الله بن عمر: مثل المؤمن حيث تخرج نفسه مثل رجل كان في سجن فأخرج منه، فهو يتفسح في الأرض، ويتقلب فيها. وهو صحيح، فإن المؤمن ينكشف عليه عقيب الموت من فضل الله وكرامته ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كالسجن، فيكون محبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستان واسع الأكناف، فيه أنواع الأشجار، فلا يسره الرجوع إلى الدنيا كما لا يسره العود إلي بطن أمه.
وقال مجاهد: إن المؤمن ليبشر بصلاح ولده من بعد لتقر بذلك عينه.

.فصل في ذكر القبر:

روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار».
وروى أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «يقول القبر للميت حين يوضع فيه: ويحك يا ابن آدم! ما غرك؟! ألم تعلم أنى بيت الظلمة، وبيت الوحدة، وبيت الدود؟».
وروى الترمذي عن أبي سعيد قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصلاه، فرأى ناساً كأنهم يكثرون، فقال: «أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى، فأكثروا ذكر هاذم اللذات الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا يتكلم فيقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت التراب، أنا بيت الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحباً وأهلاً، أما إن كنت لأحب من يمشى على ظهري إلي، فإذ وليتك اليوم وصرت إلي، فسترى صنيعي بك، فيتسع له مد البصر، ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال له القبر: لا مرحبا ولا أهلا، أما إن كن لأبعض من يمشى على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم، وصرت إلى، فسترى صنيعي بك، قال: فيلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه»، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصابعه، فأدخل بعضها في بعض قال: «ويقيض له سبعون تنيناً، لو أن واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئاً ما بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه، حتى يفضي به إلى الحساب» قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار».
وقال كعب: إذا وضع الرجل الصالح في قبره، احتوشته أعماله الصالحة، الصلاة، والصيام، والحج، والجهاد، والصدقة. وقال وتجئ ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة: إليكم عنه فلا سبيل لكم عليه، فقد أطال بي القيام لله عز وجل، قال: فيأتونه من قبل رأسه، فيقول الصيام: لا سبيل لكم عليه فقد أطال بي الصيام، قال: فيأتونه من قبل جسده، فيقول الحج والجهاد: إليكم عنه، فقد أنصب نفسه وأتعب بدنه، وحج وجاهد لله عز وجل، لا سبيل لكم عليه، فيأتونه من قبل يديه، فتقول الصدقة، كم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى وضعت في يد الله ابتغاء وجهه، فلا سبيل لكم عليه، قال: فيقال له: هنيئاً طبت حياً، وطبت ميتاً، قال: وتأتيه ملائكة الرحمة، فتفرشه فراشاً في الجنة ودثاراً من الجنة، فيفسح له في قوة مد بصره، ويؤتى بقنديل من الجنة، يستضئ بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره.
وعن أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقولان: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله عز وجل به مقعداً في الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فيراهما جميعاً وأما الفاجر أو المنافق فقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدرى كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» أخرجاه في الصحيح. وفيهما من حديث أسماء بنت أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أوحى إلىّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل-أو قال قريباً من- فتنة المسيح الدجال، يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله» وذكر باقي الحديث.
وعن ابن عباس قال: لما أخرجت جنازة سعد بن معاذ وسوينا عليها، التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «ما من أحد من الناس إلا وله ضغطة في قبره، ولو كان منفلتاً منها أحد لانفلت سعد بن معاذ» وذكر باقي الحديث.
وعن عبد الله الصنعاني قال: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته بأربع ليال، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: تقبل منى الحسنات، وتجاوز عن السيئات. قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم، غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة، قلت: بم نلت الذي نلت؟ قال: بمجالس الذكر، وقولي الحق، وصدقي في الحديث، وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر، قلت: منكر ونكير حق؟ قال: أي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وسألاني: من ربك؟ وما دينك، ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب، وقلت: مثلى يسأل؟! أنا يزيد بن هارون الوسطى، كنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس، فقال أحدهما: صدق هو يزيد بن هارون، نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم.
وقال المروزي: رأيت أحمد بن حنبل في النوم في روضة، وعليه حلتان خضروان، وعلى رأسه تاج من النور، وإذا هو يمشى مشية لم أكن أعرفها له، فقلت يا أحمد: ما هذه المشية التي لم أكن أعهدها لك؟ فقال: هذه مشية الخدام في دار السلام. فقلت: وما هذا التاج الذي أراه على رأسك؟ فقال: إن ربى عز وجل أوقفني وحاسبني حساباً يسيراً، وكساني وحباني وقربني، وأنا أنظر إليه، وتوجني بهذا التاج وقال لي: يا أحمد هذا تاج الوقار توجتك به، كما قلت: القرآن كلامي غير مخلوق.

.فصل في أحوال الميت من وقت نفخة الصور إلى حين الاستقرار في الجنة أو النار:

قد أشرنا إلى أهوال القبر، وأشد من ذلك نفخ الصور والبعث والحساب ونصب الميزان والصراط، وهذه أهوال يجب الإيمان بها، وينبغي تطويل الفكر فيها، وجمهور الناس لم يتمكن من قلوبهم الإيمان بالآخرة، ولو أن الإنسان لم يشاهد توالد الحيوانات، ثم قيل له: إن صانعاً يصنع من هذه النطفة القذرة مثل هذا الآدمي المتصور العاقل المتكلم، لاشتد نفور طبعه عن التصديق بذلك، فخلفه على ما قيل من العجائب، يزيد على بعثه وإعادته. وكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته من يشاهد البداية؟ فإن كان في إيمانك ضعف، فقوة الإيمان بالنظر إلى النشأة الأولى، فإن الثانية مثلها وأسهل منها، وإن كنت قوى الإيمان بها، فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار، وأكثر فيها التفكير والاعتبار، وليحثك ذلك على الجد والتشمير، وأول ما يقرع أسماع الموتى صوت إسرافيل حين ينفخ ذلك في الصور، فصور نفسك وقد قمت ذاهلاً مبهوتاً شاخصاً نحو النداء. قال الله تعالى: {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} [يس: 51].
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كيف أنعم وصاحب الصور قد حنى جبهته، وأصغى بسمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ في الصور فينفخ؟» قال المسلمون: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا «حسبنا الله ونعم الوكيل، وتوكلنا على الله ثم انظر كيف يحشر الناس يوم القيامة، فيساقون بعد البعث حفاة عراة إلى أرض المحشر، وهى قاع ليس فيها ربوة يختفي الإنسان بفنائها».
وفي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النَّقي».
ثم تفكر في ازدحام الناس، وقرب الشمس من رؤوسهم، وشدة العرق، مع ما في القلوب من القلق.
وفي الحديث: «إن العرق يأخذ الناس على قدر أعمالهم».
وتفكر يا مسكين في سؤال ربك لك عن أعمالك بغير واسطة، فقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله».
وعن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تزول قدما عبد حتى يسأل: عن عمره فيما أفناه، وعن عمله فيما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه».
وعن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر رضي الله عنه، إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن الله عز وجل يدنى المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18]» أخرجاه في الصحيحين.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «يضرب جسر على جهنم فأكون أول من يجوز».
وفيهما أيضاً، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم، قالوا: يا رسول الله ما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليها خطاطيف وكلاليب وحسك، يمر المؤمنين عليه كالطرف، وكالبرق الخاطف، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، حتى يمر آخرهم يسحب سحباً».

.ذكر جهنم أعاذنا الله منها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً، فسمعنا وجبة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفاً، فالآن انتهى إلى قعرها» رواه مسلم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلها مثل حرها».
وفي أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها».
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: يلقي على أهل النار الجوع، فيعدل عندهم ما فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصة بالشراب، فيستغيثون بالشراب، فيغاثون بالحميم، ينالونه بكلاليب من حديد، فإذا دنا منهم شوى وجوههم، وإذا دخل بطونهم قطع ما في بطونهم، فيطلبون إلى خزنة جهنم، أن {ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب} فيجيبونهم {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 49] فيقولون سلوا مالكاً: فيقولون {يا مالك ليقض علينا ربك} فيقول: {إنكم ماكثون} [الزخرف: 77] فيقولون: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} فيقول عز وجل {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 107-108] فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الشهيق والويل والثبور.
وتفكر في حياتها وعقاربها، ففي الحديث: «إن حياتها أمثال أعناق البخت، وعقاربها كالبغال الموكفة».
وعن الحسن: أن النار تأكلهم كل يوم سبعين ألف مرة ثم يعودون كما كانوا.
واعلم أن صفة جهنم تطول، وأيسر اليسير من ذلك ينبغي أن يكفى في التخويف، فإن كنت مؤمناً بهذا فانتبه لنفسك، وخف ما بين يديك، فإن الله لا يجمع على عبد خوفين، ولسنا نعنى بالخوف رقة النساء فتبكى ساعة ثم تترك العمل، وإنما نريد خوفاً يمنع عن المعاصي، ويحث على الطاعة، فأما خوف الحمقى الذين اقتصروا على سماع الأهوال، وأن يقولوا: استعنا بالله، نعوذ بالله، يا رب سلم، وهم مع ذلك مصرون على القبائح، والشيطان يسخر بهم كما يسخر ممن قصده سبع ضار وهو إلى جانب حصن فيقول: أعوذ بالله من هذا، وهو لا يدخل الحصن ولا يبرح مكانه.

.فصل في محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

وكن في الدنيا محباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حريصاً على تعظيم سنته، لعله يشفع فيك في الآخرة، فإن له شفاعة يتقدم فيها على الأنبياء كلهم، ويسأل الله في أهل الكبائر من أمته فينجيهم، واستكثر من الإخوان الصالحين، فلكل مؤمن شفاعة، ولا تحملنك العزة على التواني وتسمى ذلك رجاءً، فإن من رجا شيئاً طلبه، واحترز من المظالم، فإن من كانت عليه مظالم ومات قبل ردها، فإن غرماءه يحيطون به يوم القيامة فهذا يقول ظلمني: وهذا يقول: استهزأ بي، وهذا يقول: أساء جواري، وهذا يقول غشني، فلا خلاص لك من أيديهم، فإذا توهمت الخلاص قيل: لا ظلم اليوم.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يخلص المؤمنون يوم القيامة من النار، فيسحبون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال «لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء».
وهذه الأحاديث كلها في الصحاح، فانظر وفقك الله إلى بعد سلامة حسناتك لدخول ما يبطلها عن الرياء والغيبة، فأن سلمت أخذها الخصوم، فتيقظ لنفسك، ولا تفرط في أوقاتك، فإن المسكين من آثر لذة متقطعة، واشترى بها عذاباً شديداً دائماً نسأل الله السلامة والتوفيق.

.ذكر صفة الجنة نسأل الله العظيم من فضله:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قلنا: يا رسول! حدثنا عن الجنة، وما بناؤها؟ قال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه».
وفي حديث أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يوماً وذكر الجنة: «ألا مشمر لها؟ هي ورب الكعبة ريحانة تهتز، ونور يتلألأ، ونهر مطرد، وزوجة لا تموت، في حبور ونعيم، ومقام في أبد» فقالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، قال: «قولوا: إن شاء الله»
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «إن الله عز وجل قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
وفيهما أيضاً من حديثه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب درى في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، وريحهم المسك، ومجامرهم الألوَّة الألنجوج أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء». وفي رواية أخرى: «لكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً».
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن». أخرجاه في الصحيحين.
وفيهما من حديث أبي موسى أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن في الجنة لخيمة من درة مجوفة، عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن».
واعلم أن الله تعالى ذكر نعيم الجنة مبسوطاً في مواضع القرآن، ثم جمعه في آيات. منها قوله تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} [الزخرف: 71].
وقوله: {لا يبغون عنها حولا} [الكهف: 108] ثم زاد على ذلك بقوله: {فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين} [السجدة: 17].
وصفات الجنة كثيرة اقتصرنا منها على هذا.
وأفضل ما ينال في الجنة رؤية الله تعالى. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قيل: يا رسول الله! هل نرى ربنا؟ فقال: «فهل تضامون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك»

.باب في ذكر سعة رحمة الله تعالى:

نختم الكتاب بذكر سعة رحمة الله عز وجل، نرجو بذلك فضله، إذ ليس لنا أعمال نرجو بها العفو، لكن نرجو ذلك من رحمته وكرمه، قال الله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لما قضى الله عز وجل الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبى» أخرجاه في الصحيحين.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن لله عز وجل مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والهوام والبهائم، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على أولادها، وأخّر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة».
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن ربكم تبارك وتعالى رحيم، من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله تعالى إلا هالك».
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يقول الله عز وجل: من عمل حسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة، فجزاء سيئة مثلها أو أغفر، ومن اقترب إلى شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلى ذراعاً اقتربت منه باعاً، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أن رجلاً أذنب ذنباً فقال: أي رب! أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، فقد غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر فقال: أي رب! عملت ذنباً فاغفره لي، فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء الله». هذه الأحاديث كلها صحاح.
وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبيٍ، وإذا امرأة من السبي تسعى، إذا وجدت صبيا في السبي فأخذته، فألصقته ببطنها، فأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا والله. قال: «لله أرحم بعباده من هذه المرآة بولدها».
وفي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة». قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق، وإن زنى وإن سرق! وإن زنى وإن سرق» ثم قال الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر».
وفيهما من حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله حرم النار على من قال: لا إله إلا الله، يبتغى بذلك وجه الله»
وفيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قال: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير وزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا كان يوم القيامة لم يبق مؤمن إلا أتى بيهودي أو نصراني حتى يدفع إليه فيقال له: هذا مكانك من النار».
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله عز وجل يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يارب، فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل فيقول: لا يا رب فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول أحضروه، فيقول: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء مع اسم الله عز وجل».
ونظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم يوم عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل يسألونه دانقاً، أكان يردهم؟ فقيل: لا فقال: والله المغفرة عند الله عز وجل أهون من إجابة رجل لهم بدانق!
وعن إبراهيم بن أدهم قال: خلا لي الطواف في ليلة مظلمة شديدة المطر، فلم أزل أطوف إلى السحر، ثم رفعت يدي إلى السماء. فقلت: اللهم إني أسألك أن تعصمني عن جميع ما تكره. فإذا قائل يقول في الهواء: أنت تسألني العصمة، وكل خلقي يسألني العصمة، فإذا عصمتك فعلى من أتفضل؟
فهذه الأحاديث مع ما ذكرناه في كتاب الرجاء، تبشرنا بكرم الله تعالى وسعة رحمته وجوده. ونحن نرجو من الله سبحانه أن لا يعاملنا بما نستحقه، وأن يتفضل علينا بما هو أهله. ونحن نستغفر الله عز وجل من أقوالنا التي تخالف أعمالنا ومن كل تصنع تزيناً به للناس، وكل علم وعمل قصدناه، ثم خالطه ما يكدره، فبكرمه نستشفع إلى كرمه، وبجوده نسأل من جوده، إنه قريب مجيب.
والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكريم وجهه عز وجل.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.